الرأي والتحليل

محمد عثمان الرضي يكتب: عودة الطيران… وعودة الذاكرة الوطنية

لم يكن هبوط طائرة الخطوط الجوية السودانية على مدرج مطار الخرطوم حدثًا عابرًا في جدول الرحلات، بل لحظة محمّلة بإحساس عميق يصعب وصفه، لحظة تختلط فيها مشاعر الفرح بالدهشة، والأمل بالحنين.
عندما لامست إطارات الطائرة أرض المطار، أدركت أن الخرطوم بدأت تستعيد أنفاسها الأولى بعد زمن طويل من الاختطاف القسري على يد مليشيا قوات الدعم السريع.
كانت تلك الرحلة القادمة من بورتسودان أول رحلة ركاب تصل إلى مطار الخرطوم بعد التحرير، لتكتب سطرًا جديدًا في دفتر استعادة الحياة الطبيعية للعاصمة.
بهذه الخطوة، عاد العمل في الرحلات الداخلية من وإلى بورتسودان، في إجراء يُعد بداية متواضعة لكنها بالغة الدلالة، على طريق طويل لإعادة ربط الجغرافيا السودانية الممزقة.
الحديث عن استئناف الرحلات الدولية لم يعد حلمًا مؤجلًا إلى أجل غير مسمى، بل احتمالًا واقعيًا ينتظر فقط استيفاء الشروط والإجراءات المطلوبة من منظمة الطيران المدني الدولي.
هذه اللحظة لم تمر دون أن توقظ في داخلي ذاكرة قديمة، تعود إلى سنوات الدراسة الثانوية في مدينة بورتسودان، حين كانت الحياة أبسط، والحلم الوطني أكبر.
كنا نعمل في ميناء بورتسودان، لا بحثًا عن المال وحده، بل شغفًا بالمكان، وبما يمثله من بوابة السودان إلى العالم.
كانت أعيننا تسرح طويلًا في البواخر العملاقة التابعة للخطوط البحرية السودانية، وهي ترسو شامخة، تحمل اسم السودان وتاريخه.
في ذلك الوقت، كان السودان يمتلك واحدًا من أكبر أساطيل نقل البضائع في المنطقة، وكان علمه يرفرف في مقدمة السفن ومؤخرتها بثقة الدول العارفة بقيمتها.
لم يكن الشعار المرسوم على تلك البواخر مجرد تصميم، بل رمزًا لمعنى السيادة، ودلالة على حضور دولة تعرف كيف تحمي مصالحها.
لكن، بين ليلة وضحاها، اختفى ذلك الأسطول، وكأنه لم يكن، وضاع جهد عقود في لمح البصر، بلا ضجيج ولا مساءلة.
وجد السودان نفسه فجأة بلا ظهر بحري، مكشوفًا أمام العالم، يعتمد على الآخرين في شريان حياته الاقتصادي.
الدول المتقدمة والمتحضرة تفهم جيدًا أن قوة الدولة تبدأ من قوة ناقلها الوطني، بحرًا وجوًا وبرًا، ولذلك تحميه وتدعمه مهما بلغت التكاليف.
أما السودان، فكان ولا يزال أحيانًا حالة استثنائية، يبدع في تدمير ناقله الوطني بقرارات قصيرة النظر وصراعات بلا معنى.
ما حدث للخطوط البحرية تكرر بدرجات مختلفة مع الخطوط الجوية، التي تحولت من ناقل إقليمي محترم إلى ذكرى جميلة في وجدان السودانيين.
الحرب الأخيرة، بكل مآسيها، كشفت هشاشة البنية الوطنية، لكنها في الوقت نفسه منحتنا فرصة نادرة لإعادة التفكير من الصفر.
عودة الطيران إلى مطار الخرطوم ليست مجرد استئناف رحلات، بل اختبار حقيقي لإرادتنا في بناء ما تهدّم.
إنها رسالة بأن السودان قادر على النهوض إذا توفرت الرؤية، وتقدمت المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
ما نحتاجه اليوم ليس الاحتفاء اللحظي، بل خطة وطنية شاملة لإعادة الناقل الوطني إلى مكانه الطبيعي.
ناقل يحمله وجدان السودانيين، وتدعمه الدولة بوضوح، وتحميه من العبث والتسييس.
البداية ممكنة، والدروس كانت قاسية بما يكفي، ويبقى السؤال: هل نتعلم من ويلات الحرب؟
أم نسمح للتاريخ أن يعيد نفسه، مرة أخرى، على مدرج مختلف وبخسارة أفدح؟

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى